محمد بن جرير الطبري
78
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وماله . وذلك مذهب صحيح وقراءة غير مدفوعة صحتها ، غير أنا نختار الأخرى لإجماع الحجة من القراء عليها مع موافقتها التأويل الذي ذكرنا عن الصحابة والتابعين . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يحيى بن آدم ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبد الرحمن وكريب عن علي ، أنه كان يقرأ : ومن الذين استحق عليهم الأوليان " . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا مالك بن إسماعيل ، عن حماد بن زيد ، عن وائل مولى أبي عبيد ، عن يحيى بن عقيل ، عن يحيى بن يعمر ، عن أبي بن كعب ، أنه كان يقرأ : " من الذين استحق عليهم الأوليان " . وأما أولى القراءات بالصواب في قوله : الْأَوْلَيانِ عندي ، فقراءة من قرأ : الْأَوْلَيانِ بصحة معناها وذلك لأن معنى : فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق فيهم الإثم ، ثم حذف " الإثم " وأقيم مقامه " الأوليان " ، لأنهما هما اللذان ظلما وأثما فيهما بما كان من خيانة اللذين استحقا الإثم وعثر عليهما بالخيانة منهما فيما كان ائتمنهما عليه الميت ، كما قد بينا فيما مضى من فعل العرب مثل ذلك من حذفهم الفعل اجتراء بالاسم ، وحذفهم الاسم اجتزاء بالفعل . ومن ذلك ما قد ذكرنا في تأويل هذه القصة ، وهو قوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ومعناه : أن يشهد اثنان ، وكما قال : فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً فقال " به " ، فعاد بالهاء على اسم " الله " ؛ وإنما المعنى : لا نشتري بقسمنا بالله ، فاجتزئ بالعود على اسم الله بالذكر ، والمراد به : لا نشتري بالقسم بالله ؛ استغناء بفهم السامع بمعناه عن ذكر اسم القسم . وكذلك اجتزئ بذكر الأوليين من ذكر الإثم الذي استحقه الخائنان لخيانتهما إياها ، إذ كان قد جرى ذكر ذلك بما أغنى السامع عند سماعه إياه عن إعادته ، وذلك قوله : فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً وأما الذين قرءوا ذلك " الأولين " فإنهم قصدوا في معناه إلى الترجمة به عن " الذين " ، فأخرجوا ذلك على وجه الجمع ، إذ كان " الذين " جمعا وخفضا ، إذ كان " الذين " مخفوضا . وذلك وجه من التأويل ، غير أنه إنما يقال للشيء أول إذا كان له آخر هو له أول ، وليس للذين استحق عليهم الإثم آخرهم له أول ، بل كانت أيمان الذين عثر على أنهما استحقا إثما قبل إيمانهم ، فهم إلى أن يكونوا إذ كانت أيمانهم آخرا أولى أن يكونوا آخرين من أن يكونوا أولين وأيمانهم آخرة لأولى قبلها . وأما القراءة التي حكيت عن الحسن ، فقراءة عن قراءة الحجة من القراء شاذة ، وكفى بشذوذها عن قراءتهم دليلا على بعدها من الصواب . واختلف أهل العربية في الرافع لقوله : الْأَوْلَيانِ إذا قرئ كذلك ، فقال بعض نحويي البصرة : يزعم أنه رفع ذلك بدلا من " آخران " في قوله : فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما وقال : إنما جاز أن يبدل الأوليان وهو معرفة من آخران وهو نكرة ، لأنه حين قال : يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ كان كأنه قد حدهما حتى صارا كالمعرفة في المعنى ، فقال : " الأوليان " ، فأجرى المعرفة عليهما بدلا . قال : ومثل هذا مما يجري على المعنى كثير . واستشهد لصحة قوله ذلك بقول الراجز : علي يوم يملك الأمورا * صوم شهور وجبت نذورا وبادنا مقلدا منحورا قال : فجعله " على واجب " ، لأنه في المعنى قد أوجب . وكان بعض نحويي الكوفة ينكر ذلك ويقول : لا يجوز أن يكون " الأوليان " بدلا من " آخران " من أجل أنه قد نسق " فيقسمان " على " يقومان " في قوله : فَآخَرانِ يَقُومانِ فلم يتم الخبر عند من قال : لا يجوز الإبدال قبل إتمام الخبر ، كما قال : غير جائز " مررت برجل قام زيد وقعد " وزيد بدل من رجل . والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : " الأوليان " مرفوعان بما لم يسم فاعله ، وهو قوله : " استحق عليهم " وأنهما موضع الخبر عنهما ، فعمل فيهما ما كان عاملا في الخبر عنهما ؛ وذلك أن معنى الكلام : فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الإثم بالخيانة ، فوضع " الأوليان " موضع " الإثم " كما قال تعالى في موضع آخر : أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ومعناه : أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان